ابن العربي

850

أحكام القرآن

المحل السادس - القلب ، وهو البحر الخضمّ ، وفي القلب الفوائد الدينية ، والآفات المهلكة ، والتقوى ، فيه حجاب يسلخ الآفات عنه ، وشحنه بالنية الخالصة ؛ وشرحه بالتوحيد ، وخلع الكبر والعجب بمعرفته بأوله وآخره ، والتبرّى من الحسد ، والتحفظ من شوائب الشرك الظاهر والخفي ، بمراعاة غير اللّه في الأعمال ، والركون إلى الدنيا بالغفلة عن المال . فإذا انتهى العبد إلى هذا المقام مهّد له في قبوله مكانا ، ورزقه فيما يريده من الخير إمكانا ، وجعل له بين الحق والباطل والطاعة والمعصية فرقانا ، وهي : المسألة الثانية - في قسم العمل في هذه الآية ، والإشارة إليه أن يمتثل ما أمر ، ويجتنب كيف استطاع ما عنه نهى ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم . إذا أمرتكم « 1 » بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهبتكم « 2 » عن شيء فاجتنبوه . وقد قال ابن وهب : سألت مالكا عن قوله : يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً - قال : مخرجا . ثم قرأ « 3 » : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . . . إلى « 4 » : فَهُوَ حَسْبُهُ . وقال ابن القاسم : سألت مالكا عن قوله : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً قال : يعنى مخرجا . وقال أشهب : سألت مالكا عنها فذكر معنى ما تقدم . وقال ابن إسحاق : يجعل لكم فصلا بين الحق والباطل . وهذه كلها أبواب العمل في القلوب والأبدان . الآية التاسعة ، قوله تعالى « 5 » : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - قد بينا أنها مكّية . وسبب نزولها ، والمراد بها ما روى أنّ قريشا اجتمعت في دار النّدوة ، وقالت : إن أمر محمد قد طال علينا ، فماذا ترون ؟ فأخذوا في كل جانب من القول ، فقال قائل : نرى أن يقيّد ويحبس .

--> ( 1 ) في ل : إذا أمرتم . ( 2 - 4 ) في ل : وإذا نهيتم . ( 3 ) سورة الطلاق ، آية 2 ، 3 ( 5 ) الآية الثلاثون من السورة .